هموم تقنيّة

هموم تقنيّة

 

         لما ابتكر العالم الأجهزة الذكية، والآلات التي توفر الجهد، كنا نظنّ أننا سنعيشُ وقتًا طويلًا من الفراغ. لكن الحقيقة المؤلمة هي أننا وبرغم تلك الأجهزة التي من المفترض أن توفر لنا الوقت، قلّما نجد ساعة نجلسُ فيها في جوٍ عليل للتأمل، أو بين أطفالٍ نلاعبهم، أو مع الأهل في جلسة قهوة، إلا ويستنفد الجوالُ جزءًا طويلًا من هذه السّاعة!

          ما بين التسجيل في برامج التواصل المتزايدة كل يوم، وبين مشاركة الآخرين كل لحظة، وكل طبقِ طعامٍ، والسعي في التكلّف المظهري بين والمشتريات الباهظة، والاحتفالات المكلفة، والتنافس المادّي، أو حتى كان التكلّف في الكتابة والتعبير.

أضفنا على رصيد الهمومِ همومًا (افتراضية) ليست إلا!  فقد أصبح أكثر الشباب همومهم مرتبطة بالتقنية: جمع أكثر عدد من المتابعين، أكثر عدد من إعادة تدوير التغريدات (ريتويت) ، أكثر عدد من أزرار الإعجاب، أصبح الهمّ هو عدد المصفقين وليس الأثر! ماذا علّق النّاسُ وبماذا أثنوا؟ وكم زاد عدد الأصدقاء وأين وصل؟ يدور في ذات الحلقة كل يوم: كيف يلفت انتباه الناس، وكيف يتجمّل –ولو كان تكلّفًا- لأجلهم؟        

         تشاركنا برامج التواصل الاجتماعي كل لحظة ودقيقة، نستيقظ من النوم فيكون أول ما نفتحه بعد العينين: جهاز الجوال، أثناء المشي إلى الصلاة، نقرأ الأذكار والجهاز بين أيدينا نفتح محادثة ونغلق أخرى، في السيارة (حتى وإن كان سائقًا لها)، أثناء المحاضرات، ووقت العمل، نسترق النظر على الشاشة في جلسات العائلة والزيارات، وأخيرًا وليس آخرًا الساعات الطويلة قبل النوم! أقحمناها في تفاصيل حياتنا وفي غير محلّها، ثم نشتكي من ضيق الوقت وقلة بركته، وتسارع الزمن، والملل من روتين الحياة! وكما قيل: “وقتك الذي تلهو فيه غيرك يبني مجده” فلم تكن المشكلة في عدد ساعات اليوم، فهي ليست عند الناجح ثلاثين ساعة، وعندي أنا عشرين! غير أنّ ترتيب الأولويّات فنٌّ يقدر عليه الجميع، لكن لا يعمل به إلا القليل!

         قرأتُ قبل فترة كتابًا قصيرًا اسمه “اخلع رداء التوتر” يذكر ثلاثين طريقة للتخلص من التوتر، لم يكن من بينها استعمال أي جهاز تقنيّ، بل ذُكر في مقدمته أن الأجهزة الذكية الآن هي أحد أسباب التوتر والقلق التي تصيب الإنسان!

         هيَ تساؤلاتٌ حُقّ لنفسك أن تسألها:

–       متى آخر مرةٍ جلست فيها مع نفسك تحاسبها أو تشجعها؟ تحاول أن تكتشف سلبياتها أو أحد العقبات التي تواجهها.

–       وآخر مرةٍ جلست فيها ساعة ترتل القرآن وتتغنى به دون أن تقطع ذلك بفتح إشعار برنامج؟

–       أما يضايقك منظر الأطفال يتحلقون حول الأجهزة لساعات طوال؟ أو أن تفكر طويلًا في ضرر الأجهزة على عقولهم!

–       هل جربت يومًا أن تنعش روحك وتستعيد نشاطك باللعب معهم الألعاب الحركية أو الذهنية؟

–       أما اشتقت لساعة صفاء تقرأ فيها كتابًا أو تمارس فيها هواية يدوية أو حتى أن تمسك القلم وتكتب!

–       هل جربت يومًا أن تخرج في نزهة حتى وإن كانت لمطعم دون أن تحمل عبء التصوير ورفع الصور لبرنامج انستغرام وباث؟

–       ما رأيك لو عشتَ يوم الجمُعة مع عائلتك بلا شبكة انترنت؟

–       ماذا لو عالجت الأرق بإغلاق أجهزتك التقنية قبل ساعتين من موعد النوم واستمتعت بنومٍ صحي؟

–       ما ذا لو قمت بحذف أحد البرامج التي تستنفد جُل وقتك؟ كم تعتقد سيكون حجم الفرغ في يومك بعدها؟

فكّر…

 كم من الهموم التي ستنزاح عن ظهرك لو استعدت التوازن في استخدام أجهزتك؟

.

.

والآن… أبعد الجوال عن يديك قليلًا، ارفع رأسك، واستمتع بالحياة.

 

17/7/1435

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s