سَجَدَ شُكْرًا أنْ بَكَىْ .!

بسم الله الرحمن الرّحيم ..

سأكتب هذه المرّة بطريقة لم أُجربْها من قبل, ورُبما ستكون الأخيرة, ورُبما هي ليست عنّي كما تعرفونني, رُبما يكون ما أكتبه هذيان لا تُشبه الجملة أختُها ولا تُمثّل أي إنسان على هذا الوجود..

 وكم رُبما في ذلك !,

الحياة القصيرة هذه, تُرهقُنا بتجاربها وخيباتها بعض الأيّام, هي الحياة الدُّنيا ولا مفرّ من قوانينها,
ولا أظنّ أن هُناك خيبة تُشبه خيباتنا تجاه أنفسِنا, أخطائنا, إخفاقاتنا, تجاربنا, محاولاتُنا الفاشلة,
لكنّها حتمًا تُعلّمنا, فكل خطأ بدرس, وكلّ محاولة بمعلومة, وهُناك من يقتنص من هذه التجارب عبرًا وهُناك من يدعها تُقعده عن السّير بل وقد تُرجعه إلى الوراء!,

يمكنني اختصار ذلك في أنّ الحياة : خيبتان، مشكلتان، مُحاولتان، إخفاقتان، وتكتمل مُغامرتها، هذه المُغامرة توصِلنا إلى دروس, نجاحات, أفراح, سعادة, جنّة.

هل نبدأ الهذيانَ الآن ؟!

في زاوية ما, هُناك أنثى مارست بعضَ مواقف الحياة وخيباتها كما تُمارسها بقيّة الكائنات الحيّة, تربّت أن تكون شخصيّة قويّة, صامدة أمام أيّ ظرفٍ, علّمتها الحياة أن لا تكون مُرفّهة دائمًا, أن لا تكون أنثى دائمًا, استقت من قوّة رفيقتها التي علّمتها أن تكون مسئولة عن نفسِها وغيرِها, ذات ليلَة أسقطتها الحيَاة من وهمٍ مُرتفع, غرقَت فيه وما انُتشِلَت, طارت للسّماء ثُمّ وقعت على قلبِها, القلب الذي هو مركز الوهم, القلب وليس العقل الذي اختار أن يكون بعيدًا عن كلّ هذه الأحداث .!

القلبُ حينها انكسر !, لم يكن قويًّا قبل ذلك الوقت, بل كان في أشدّ ضعفه, و هيجان خياله, وثورة أحلامه, وضعف حيلته, رًبما كان قويًّا لكن قبل زمن طويل.

الحلول اللّاشعوريّة التي نستخدمها عند أي مشكلة للهروب منها, تُرهقنا على بُعد زمنٍ, وإن كانت تُسعدنا في الوقت الحالي, استخدام الحيل الدفاعيّة(1) هو أسلوب الكثير عند أيّ همّ يُريدون التجرّد منه مؤقتًا, الهُروب من الواقع إلى ارتكاب أخطاءٍ أخرى, الإفراط في عيشِ الخيال, البحث عن طرقٍ مُلتويَة, إسقاط المُشكلة على أيّ شيءٍ آخر, الإفراط في لوم الذات وتقريعها, وَمُمارسة عاداتٍ نفسيّة خاطئَة, حيلٌ نخدع بها أنفسَنا كردود فعلٍ سيّئَة يُمارسها أيّ قلبٍ مُنكسِر أو حتى منخدش, لأجلِ أن يعيش وقتَه بزعم أن ذلك حلّ مُريح, رغم أن الحل السّليم لأي مشكلة هو مواجهة الواقع وإن كانت بدايَة الحل مُتعبة بعض الشيء لكنّها في النّهاية مُريحة, فالعقل يقول واجه واقعك !

القلبُ القويّ كان يعلم أن ما مارسه من هرُوب هو ضعف!, أحسّ أنّ الضعف لا يُمثّله إطلاقًا, بينما في الواقع كانت يُريحه بكثرة بكاءاته وبوحه للورق!, كانت يمدّه ببعض الراحة المؤقتة وإن استمرّت أشهرًا عدّة.

يومًا تساءل: أين قوّتي ؟ أين صمُودي ؟ أين توجيهي لكلّ البشر أن يُواجهوا ذواتهم ؟ أين نُصحي للقلوب المُنكسرة أن يكونوا مع الله !,

( القلب المُنهدّ ) من ضعفه اختار أن يتقلّب ويعود للقوّة , لكنّه بالغ في ذلك لم يبدأ بالتدريج كي لا يفقد نفسَه, تقلّب فجأة, اختار أن يعود كما سبق: لايبكي كثيرًا ولا يحبّ أن يتألّم ,ُُيُضاعف العمل عند أيّ همّ, يُواجه حسرة ذنوبه وأخطائِه. قد تكون بعض الصفات هُنا إيجابيّة لكنّها لم تكن عليه جيّدة, اختار هذا أن يعود بشكل مُضاعف, وأن يكتسب قوّة مُضاعفة من أيّ مكان, أخطأ أيضًا في حقّ قوّته, كما أخطأ في حقّ نفسه!
رغم أن هذا القلب لأنثى, والأنثى تحبّ أن تبكي لترتاح !, لكنّها لم تشأ أن تُمارس أنوثتها في حُزنها اختارت أن تبقى صامدة !,

هذا القلب كان ولازال وسيظلّ ملجأ لاحتواء دموع الآخرين و بوحهم, يُحبّ أن يكون كذلك, لكنّه لم يلمّ نفسه بعدَ أن تقلّب .. أُقول لكم تقلّب إلى حيثُ كان .. !

البُكاء هو الباب الذي كان يوصده على نفسه, ولم يفتح له ولو فتحة صغيرة .!

البكاء المكبوت في قلبه يتحوّل لا شعوريًّا إلى غضبٍ عارم عند أدنى سبب او حتى بلا سبب, أعصاب مشدودة وتوتّر, وغيظٌ منفلت!. رُغم أن هذه عادته السلبيّة التي كان ينجح في كتمِها أحيانًا لكن عندما عانى وأضنى وتقوّى أكثر تضاعفت عادات الغضب حتى غدَت سِمةً له .!

فاصلة:

هُناك معلومة نفسيّة تقول : أن بعض التعب الجسدي كالأرق, وآلام المفاصل, والصّداع, و آلام المعدة تكون أسبابها نفسيّة, لذا بعض العلاج لن ينجح إلا إذا عالجت السبب النفسيّ أولًا.

ذاك القلب ذكيّ يعرف أسباب مشكلته, ويعرفُ أنّه يستطيع أن يُعالجها من نفسه, ويعرف .. ويفهم .. ويدرك .. لكنّه لا يدري من أين يبدأ !

ذات صُدفة التقى بـالـ( فردوس ) !, لا أظنّ أن هُناك ضرورة لتعرفوا ما لمقصود بالفردوس!, لكنّه حتمًا هو النعيم, أو هو بداية الفرَج, أو هو بداية الحل, المُهمّ هو النّقطة التي علّمته من أين يبدأ !

هذا القلب الذي أوصد الأبواب على نفسه, فتح فتحة صغيرة ليُطلّ على الفردوس, أو ليُطلّ الفردوس عليه,

كان صُدفة مقصودة..
ولما فتح الفتحة الصغيرة ظهر المكبوت على هيئة تساؤلات وَ بوح ! :

+ ” هناك  قلبٌ لا يبكي, حاليًا لا يوجد لديه سبب يستحق للبُكاء, أو هناك أسباب تستحق لكن ملّ من بكائها قبل أشهر أو هناك أسباب سخيفة, لا يذكر متى آخر مرّة بكى فيها غير تلك الليلة عندما تكرّرت صدمة وكأنّها الأولى دفن رأسه على الوسادة ثم بدأ بالأنين, عندما انتبه رفع رأسه بسرعة مسح دمعة كادت أن تخرج وابتلع الباقي ثم استسلم لبعض موجات الغضب! بعض مفاصل الجسم من شدّتها تكاد أن تتقطّع, لا تستطيع أن تُمارس الهدوء كما كانت تُمارسه مئات المرّات, وهُناك أيضًا قلق أدنى من الطبيعي أو أعلى منه, وبعضُ الأحاسيس السلبيّة, ممممم أتدري ! العقل لا يحتاج لمعلومات هو يفهم أن عليه أن يرفع تقديره لذاته ويبدأ بنفسه, لكنه كان يبدأ بنفسه  قبل الآخرين ويحاول دائمًا التحسّن , هو أيضًا يفهم ويُدرك ويعمل, مممممم لا يدري كيف يبدأ هذه المرّة ! هو يُعين الآخرين ويؤثّر فيهم ولكنّه … ! “

هه مُضحك .. حتى عندما يلتقي بالفردوس المُناسب الذي سيُساعده على الأقل لم يستطع أن يُظهر ضعفه! ما أقساه على نفسه .!

–  ”  الغريب أنّكِ تتكلّمين بما لا أراه فيكِ العقل يختلف عن أحاسيسكِ تقريبًا, أنتِ تحتاجين لمحاولات لاستعادة ما فقدتيه “.

+ ………..

–  ……….

+ …………

–  ” الإنسان أيًّا كان من حقّه أن يحزن,  ويفرح, وحياته متقلّبة بين ذا وذاك, وَمن حقّه أن يبكي, هذه الكلمات لابدّ أن تُقنعي بها عقلكِ” !

+ ” وماذا أيضًا؟ “

–   ” أعطي لقلبكِ فُرصة أن يبكي “!

الّليلة الأولى, انزوت تلك الرّوح بعد أن نام النّاس, أخذت تُتمتم : ياللا ابكي .. بكاء .. بكاء .. بكاء .. ياللا ابكي. نامت ولم يتحقق لها ما أرادت.. مرهق أن تبحث عن النّوم فلا تجده, وعندما لا تُريده يسبقك!

اللّيلة الثانية, هُناك فرصة: هيا نُناشد البُكاء!

لم تنجح هذه المرّة أيضًا.!

اللّيلة الثّالثة محاولة الانطواء في مكانٍ آخر, يا رب اللهم افسح للدّموع العصيّة أن ترتاح من غير مُصيبة ولا شرّ..

انتهت اللّيلة بخيبة!

المُحاولة الرقم … ؟

هُناك وقتٌ للبُكاء..

البوح على الورقة محاولة جيّدة لاستجلاب البُكاء أيًّا كان سببه!

بدأت اليد تكتب ما يُمليها القلب.

( أسباب البكاء : ……………………………..)

امتلأت أربع أوراق بالبوح هُناك الكثير من الجُمل المُشتتة والمُتضادّة أيضًا أسبابٌ تستحق البكاء وأسبابٌ لا تستحقّ:

 – التدريب الميداني. – الضغوطات النفسيّة. – الغياب. – الاشتياق. – الأخ الذي يُثير الأعصاب. – عدم حضور مُناسبة. – القلق الذي لم يُعرف سببه. – التسويف. – الوقت الضيّق. – الرغبة في شراء فُستان جديد. – الحيرة. – العتاب …………………… الخ

بعد ستة أو سبعة أسطر بدأت الدّموع تُشوش النظر, هذه اليد كادت أن تمسحها كالعادة لكنّها تراجعت !

انتهت الصفحة الأولى ثم استسلمت الدموع, هذه المرّة نجحت محاولة البُكاء.

 كاد أن يضحك من شدّة الفرح !!

بعد كلّ صفحة المزيد من البُكاء المزيد من الرّاحة.

على القلوب المُتعبة أن تخلو بالله تبكي وتبوح , إن الله يعلمُ عن سرّ انكسارها, ما لا تعلمه هيَ أيضًا !.

هذه المرّة الشّوق انصرف للسّجادة, لصلاة مُختلفة, لم تُصلّي الجوارح فقط!

لقد صلّت الروح أيضًا ..

لمّا سجدَت انفرط عِقدُ الدموع أكثر, وَالرّاحة تضاعفَت أكثر..

انتهت اللّيلة, بسجود شُكر ..

أغلبُ أبواب الرّاحة و السّكينة هي بأيدينا, ذلك لأن أغلب الهموم منّا وإليْنا, مفاتيحها بعض أفكارنا تحتاج إلى أن تُصحح, وبعض أمزجتنا تحتاج لأن تتغيّر.

دُمتُم .. آلاء

(1) الحيل الدفاعية .

خلف هذه ( التدوينة ) فردوس يقرأ, أُهديه إيّاها مع التحايا والشكر :”) .

Advertisements

8 رأي حول “سَجَدَ شُكْرًا أنْ بَكَىْ .!

  1. الله يا آلاء ()
    كنتُ بحاجة لمثل هذا النص والتذكير .
    شكرًا جزيلاً لكِ ، وكتبَ الله لكِ الأجر الوافر .
    أحيي قلبك وقلمك .. ساقرأ ما خط هنا مرارًا ♥

  2. بعض الجراح قدّر الله لها أيدٍ مُداوية وكلماتك يا آلاء الكفّ الناعمة
    هذه المرة الأولى التي يُسّر لي المرور بمنزلك، جعله الله وصاحبته مباركان أينما كانا
    دعوة، شكرًا ووردة

    1. غيداء .. ردّك منحني ثقة أكبر بما أقدّم,
      جعل الله مرورك دائمًا ..
      منحكِ الله سعادة قلبيّة أبديّة حتى تسعدين بلقاه ..

  3. يالذة حرفك آلاء..
    سررت كثيراً بقراءة احرفك الطويلة والخارجة عن طور اعتيادي على تغاريد قصيرة ومختصرة..
    في ذات المشهد الذي دونتي به ذلك الحال كان شبيه بقصة أحدهم..ذاك الذي تمتم بأمنيات ودعوات أن يرقق الإله قلبه ويسبل دمعه فلم يبلغ حرف الهاء إلا وشهقات صدره وابتدار دمعاته تتسابق مع أحرفه..
    في حقيقة الأمر يا صديقتي،،ان الإله قريب منا وفوق ما تتخيله عقولنا الصغيرة،وإنه أعظم وأكرم من رد أيدينا خالية بصدق مناجاتها وثقة قلبها فيمن ترجوه ()
    تدوينتك لذيذة وآلذ من تغاريدك اللذيذة أيضاً :’)
    خالص الود..رغد المحسن

    1. رغد .. أخجلتيني بكرمك وردّك ..
      الحمد لله على قربه ورحماته التي تُدركنا رغم ذنوبنا وتقصيرنا ..
      شكرًا لكِ , من جمال عينيكِ 🙂
      وخالص تحياتي لك يا رغد 🙂

  4. لو أنك تهذين دائماً ،
    من التدوينات الجميلة جداً لديك هذه .. 🙂

    ” سجد شكراً أن بكى ”
    توجع .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s